
كان النبي محمد ﷺ يزداد تأملًا في حال قومه، ويبحث عن الحقيقة في هذا الكون. لم يكن يعبد الأصنام، ولم يرتَح لما يراه من ظلم وجهل وقطيعة رحم. ولأنه كان يرى أن الفطرة السليمة لا يمكن أن تُرضيها هذه العادات الجاهلية، اختار أن ينعزل في غار صغير بأعلى جبل “حراء” شرق مكة، وهناك كان يبيت الليالي الطوال يتفكر ويتعبد.
🌠 أول لقاء مع الوحي
في ليلة مباركة، بينما كان النبي ﷺ في غار حراء، نزل عليه جبريل عليه السلام فجأة، وهو لا يعلم من يكون، فضمّه ضمّة شديدة وقال له:
“اقرأ”
فقال: “ما أنا بقارئ”
فقال له ثانية: “اقرأ”
فقال: “ما أنا بقارئ”
فقال في الثالثة:
“اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علّم بالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم” (العلق: 1–5)
ارتجف النبي ﷺ، وعاد مسرعًا إلى بيته، قلبه يخفق، جسده يرتجف، ووجهه يقطر عرقًا من رهبة اللقاء. دخل على خديجة رضي الله عنها، وهو يقول:
“زملوني زملوني”
فغمرته خديجة وطمأنته، وقالت له:
“والله لا يُخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتُصدِق الحديث، وتحمل الكَل، وتكسب المعدوم، وتقرِي الضيف، وتُعين على نوائب الحق”.
ثم أخذته إلى ورقة بن نوفل، وهو رجل حكيم من أهل الكتاب، فأخبره النبي ﷺ بما رأى، فقال له:
“هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، ليتني أكون حيًا إذ يُخرجك قومك”
قال النبي ﷺ بدهشة: “أوَ مُخرجيّ هم؟”
قال: “نعم، ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عُودي”.
وهكذا بدأت أعظم رحلة في تاريخ البشرية: رحلة النبوة.
🕊️ دعوة سرية في مكة
بدأ النبي ﷺ بدعوة أقرب الناس إليه، سرًا وبلُطف. كان أول من آمن به زوجته خديجة، ثم ابن عمه علي بن أبي طالب، ومولاه زيد بن حارثة، وصديقه أبو بكر الصديق رضي الله عنهم.
كانوا يُصلون في السر، ويجتمعون في دار “الأرقم بن أبي الأرقم” بعيدًا عن أعين قريش.
لم تكن الدعوة مجرد كلمات، بل كانت أخلاقًا، رحمة، صبرًا، وصدقًا. كان النبي ﷺ يُحدث الناس عن التوحيد، وكرامة الإنسان، والعدل، والحساب بعد الموت. وكان هذا صادمًا لأهل مكة، الذين اعتادوا عبادة الأصنام والتفاخر بالأنساب والثروات.
💢 المواجهة العلنية مع قريش
بعد ثلاث سنوات من الدعوة السرية، أمره الله تعالى بالجهر بالدعوة. فصعد النبي ﷺ على جبل “الصفا”، ونادى في أهل مكة، فقال لهم:
“أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تُغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟”
قالوا: “ما جربنا عليك كذبًا قط!”
فقال:
“فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد”
فانقلب الود إلى عداء، وبدأت قريش تُعذّب المسلمين، وتُحاصر النبي ﷺ، لكنّه لم يتراجع، بل ازداد صبرًا ويقينًا، لأنه يعلم أنه يحمل نورًا سيُنير العالم.



